الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
117
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وسواء هنا اسم مصدر الاستواء ، قيل بمعنى العدل ، وقيل بمعنى قصد لا شطط فيها ، وهذان يكونان من قولهم : مكان سواء وسوى وسوى بمعنى متوسّط قال تعالى : فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 55 ] . وقال ابن عطية : بمعنى ما يستوي فيه جميع الناس ، فإنّ اتخاذ بعضهم بعضا أربابا ، لا يكون على استواء حال وهو قول حسن . وعلى كل معنى فالسواء غير مؤنث ، وصف به كَلِمَةٍ ، وهو لفظ مؤنث ، لأنّ الوصف بالمصدر واسم المصدر لا مطابقة فيه . و أَلَّا نَعْبُدَ بدل من كَلِمَةٍ ، وقال جماعة : هو بدل من سواء ، وردّه ابن هشام ، في النوع الثاني من الجهة السادسة من جهات قواعد الإعراب من مغني اللبيب ، واعترضه الدماميني وغيره . والحق أنه مردود من جهة مراعاة الاصطلاح لا من جهة المعنى ؛ لأنّ سواء وصف لكلمة وألّا نعبد لو جعل بدلا من سواء آل إلى كونه في قوة الوصف لكلمة ولا يحسن وصف كلمة به . وضمير بيننا عائد على معلوم من المقام : وهو النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون ، ولذلك جاء بعده : فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . ويستفاد من قوله : أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ إلى آخره ، التعريض بالذين عبدوا المسيح كلّهم . وقوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا جيء في هذا الشرط بحرف إن لأنّ التولّي بعد نهوض هذه الحجة وما قبلها من الأدلة غريب الوقوع ، فالمقام مشتمل على ما هو صالح لاقتلاع حصول هذا الشرط ، فصار فعل الشرط من شأنه أن يكون نادر الوقوع مفروضا ، وذلك من مواقع ( إن ) الشرطية فإن كان ذلك منهم فقد صاروا بحيث يؤيس من إسلامهم فأعرضوا عنهم ، وأمسكوا أنتم بإسلامكم ، وأشهدوهم أنكم على إسلامكم . ومعنى هذا الإشهاد التسجيل عليهم لئلّا يظهروا إعراض المسلمين عن الاسترسال في محاجتهم في صورة العجز والتسليم بأحقية ما عليه أهل الكتاب فهذا معنى الإشهاد عليهم بأنا مسلمون . [ 65 ، 66 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 65 إلى 66 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 65 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 66 )